محمد متولي الشعراوي

4351

تفسير الشعراوى

والحق يقول هنا : يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها فمثلا ، حين يقتل إنسان فلولى الدم أن يقتص ، لكن الحق يحنن قلب ولى الدم على القاتل فيقول : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ ( من الآية 178 سورة البقرة ) وحين يسمى الحق القاتل أخا فهو يهدىء من صراع العواطف ويخفف من رغبة الانتقام . ويقول سبحانه أيضا : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) ( سورة الشورى ) ونجده سبحانه يؤكد أن مثل هذا الأمر من « عزم الأمور » لأنه أمر يتطلب الصبر والمغفرة . وما دام المؤمن قد استطاع أن يصبر وأن يغفر لغريم له ، أفلا يصبر إذا نزلت مصيبة عليه بدون غريم كمرض مفاجىء أو افتقاد حبيب ؟ . من إذن غريمك في المرض ؟ وممن تغضب ، وعلى من تهيج وإلى أين انفعالك ؟ ولذلك يقول لك الحق سبحانه : وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ أي مما لا غريم لك فيه ، ويوضح لك سبحانه : إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . ونلحظ أن الحق هنا لم يؤكد « باللام » لكنه أكد الأخرى « باللام » ؛ لأن لك غريما يهيجك ساعة أن تراه ، وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق لسيدنا موسى : وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها . يعنى إذا وجدت لهم ذريعة ووسيلة وسببا إلى شئ ويوجد ما هو أحسن فأمرهم أن يأخذوا بالأحسن ، لماذا ؟ ؛ لأن الإنسان إذا روّض نفسه وذللها وعودها على الأحسن يكون قد فهم عن اللّه . ونفرض أن واحدا أساء إليك ويمكنك أن تسىء إليه ، فعليك أن تراعى في ردك للإساءة أن تكون بقدرها مصداقا لقوله الحق سبحانه : فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ( من الآية 126 سورة النحل )